أبي نعيم الأصبهاني
83
معرفة الصحابة
قال : فغدوت إلى المسجد ، فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قائم يصلي عند الكعبة قال : فقمت منه قريبا ، فأبى اللّه إلا أن يسمعني بعض قوله ، قال : سمعت كلاما حسنا قال : فقلت في نفسي : واثكل أمي ، واللّه إني لرجل لبيب شاعر ، ما يخفى الحسن والقبيح ، فما يمنعني من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ؟ إذا كان الذي يأتي به حسنا قبلته ، وإن كان قبيحا تركته . قال : فمكثت حتى انصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى بيته فاتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت : يا محمد إن قومك قالوا لي كذا وكذا الذي قالوا ؛ فو اللّه ما برحوا يخوفوني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لأن لا أسمع قولك ، ثم أبى اللّه إلا أن يسمعنيه ، فسمعت قولا حسنا فأعرض عليّ أمرك . قال : فعرض عليّ الإسلام ، وتلى عليّ القرآن . قال : فو اللّه ما سمعت قولا قط أحسن ، ولا أمرا أعدل منه ، قال : فأسلمت وشهدت شهادة الحق . وقلت : يا نبي اللّه إني امرؤ مطاع في قومي ، وأنا راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام ، فادع اللّه أن يجعل لي آية تكون لي عليهم عونا فيما أدعوهم إليه ، فقال : قال : « اللهم اجعل له آية » . قال : فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر ، وقع نور بين عيني مثل الصباح . قال : فقلت : اللهم في غير وجهي ، فإني أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراق دينهم ، قال : فتحول ؛ فوقع في رأس سوطي فجعل الحاضر يقول : ومن ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق ، وأنا أهبط إليهم من الثنية . . قال : حتى جئتهم فأصبحت فيهم ، فلما نزلت ؛ أتاني أبي ، وكان شيخا كبيرا قال فقلت : إليك عني يا أبه فلست منك ، ولست مني . قال : ولم يا بني ؟ قال : قلت : أسلمت ، وتابعت دين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال أبي : يا بني فديني دينك ، فاغتسل فطهر ثيابه ، ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم قال : ثم أتتني صاحبتي ، فقلت لها : إليك عني ، فلست منك ولست مني . قالت : لم بأبي أنت وأمي ؟ قال : قلت : فرّق بيني وبينك الإسلام ، أسلمت وتابعت دين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، قالت : فديني دينك قال : قلت : فاذهبي إلى حمى ذي الشرى فتطهري منه وكان ذو الشرى صنما لدوس وكل الحمى حماله حموية ، وشل من ماء يهبط من الجبل قال : قالت : بأبي أنت وأمي أتخشى عليّ الفتنة من ذي الشرى شيئا ؟ قال : قلت : لا أنا ضامن كذلك ، قال : فذهبت فاغتسلت ، فجاءت فعرضت عليها الإسلام ، فأسلمت ، ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فتبطئوا ، ثم جئت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة ، فقلت : يا نبي اللّه : إنه قد غلبني على دوس الدير ، فادع اللّه عليهم ، فقال : « اللهم اهد دوسا ، ارجع إلى قومك فادعهم ، وارفق بهم » . قال : فرجعت فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة ، وقضى بدرا وأحدا والخندق ، ثم قدمت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمن